عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
434
اللباب في علوم الكتاب
يحول بينه وبين سفره من مرض ، أو كسر ، أو عدوّ ، أو ذهاب نفقة ، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء ، يقال : أحصر الرجل : فهو محصر ، وفي معنى هذا الإحصار ، وجوه : الأول : أنّهم حصروا أنفسهم ، ووقفوها على الجهاد ؛ لأن قوله : « فِي سَبِيلِ اللَّهِ » مختصّ بالجهاد في عرف القرآن . الثاني : قال قتادة - رحمه اللّه - وابن زيد : منعو أنفسهم من التصرفات في التجارة للمعاش ؛ خوف العدوّ « 1 » ؛ لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة ، وكانوا متى وجدوهم ، قتلوهم « 2 » . الثالث : قال سعيد بن جبير ؛ وهو اختيار الكسائي : إنّ هؤلاء القوم أصابتهم جراحات مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وصاروا زمنى ، فأحصرهم المرض ، والزمانة عن الضّرب في الأرض « 3 » . الرابع : قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - هؤلاء القوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل اللّه ، فعذرهم اللّه « 4 » . الصفة الثانية : قوله تعالى : « لا يَسْتَطِيعُونَ فِي الْأَرْضِ » في هذه الجملة احتمالان : أظهرهما : أنها حال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنه « الفقراء » ، وثانيهما : أنه مرفوع « أحصروا » . والاحتمال الثاني : أن تكون مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب ؛ و « ضربا » مفعول به ، وهو هنا السفر للتجارة ؛ قال : [ الوافر ] 1239 - لحفظ المال أيسر من بقاه * وضرب في البلاد بغير زاد « 5 » ويقال : ضربت في الأرض ضربا ، ومضربا ، أي : سرت . فصل في بيان عدم الاستطاعة في الآية عدم استطاعتهم : إمّا أن يكون لاشتغالهم بصلاح الدّين ، بأمر الجهاد ؛ فيمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة ، وإمّا لخوفهم من الأعداء ، وإمّا لمرضهم ، وعجزهم ؛ وعلى جميع الوجوه فلا شكّ في احتياجهم إلى من يعينهم .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 593 ) عن قتادة وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 633 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 2 ) في ب : المعدوم . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 633 ) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير . ( 4 ) ذكره الفخر الرازي في « تفسيره » ( 7 / 70 ) . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 1 / 655 .